السياسيةالفقه والشريعةقضايا المجتمعمنوعات

تأملات تربوية نفسية توعوية في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنثَىٰ ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ إلى قوله: ﴿أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُم

الميزان/ الجديدة: الدكتور عبد الرحيم أشن

almizan.ma

تأملات تربوية نفسية توعوية في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنثَىٰ ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ إلى قوله: ﴿أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [النحل: 58-59].
الميزان/ الجديدة: الدكتور عبد الرحيم أشن
تمهيد:
القرآن الكريم لا يعرض المشهد الجاهلي للتسلية أو التاريخ المجرد، بل يقدّمه؛ مرآة تربوية نفسية، تعكس انحرافات النفس البشرية حين تغيب عنها الهداية، كما يبصرنا القرآن الكريم بكيفية تقويم هذا الانحراف، ليقيم العقل ويطهر القلب، ويعيد بناء القيم على أسس إيمانية ثابتة.
ومن بين أعظم المشاهد التي تناولها القرآن:
“مشهد ردة الفعل على ولادة الأنثى”؛ وهو مشهد نفسي واجتماعي عميق، فضحه الله في كتابه ووصمه بسوء الحكم والتقدير.
أولاً: النص القرآني وتأمله لفظيًا:
﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنثَىٰ ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيم..
﴿يَتَوَارَىٰ مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوۤءِ مَا بُشِّرَ بِهِۦٓ ۚ أَيُمْسِكُهُۥ عَلَىٰ هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُۥ فِي ٱلتُّرَابِ ۗ أَلَا سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾  [النحل: 58-59]..
تحليل لفظي:
بُشِّر: استخدام الفعل الذي يدل على الخير والسعادة، لكنهم قلبوه نكبة!
ظل وجهه مسودًّا: تعبير عن الانقباض النفسي والعار المزعوم.
كظيم: مكتوم الحزن والغيظ والغليان الداخلي.
يتوارى من القوم: فرار اجتماعي ناتج عن خزي وهمي.
أيمسكه على هون أم يدسه في التراب؟: تقديم مأساة حقيقية بين أمرين أحلاهما مر.
ألا ساء ما يحكمون: ختام يدين هذا التصور والاعتقاد المنحرف.
ثانيًا: المعاني النفسية العميقة في النص؛
1. الرفض النفسي لخلق الله:
– الانزعاج من أنثى رزق بها الله هو رفض ضمني لحكمة الله في الخلق.
– يكشف عن شعور عميق بالدونية تجاه المرأة.
2. الربط المشوّه بين الكرامة والذكورة:
كأن الذكورة هي المعيار الوحيد للقيمة!
هذا التصور يؤدي إلى تبخيس المرأة وانتقاص حقوقها منذ ولادتها.
3. الضغط الاجتماعي وانهيار الذات:
يتوارى من القوم: سلطة الجماعة الجاهلة تسحق الفرد وتجعله يعيش في قلق دائم.
4. الكظم والاختناق العاطفي:
الكظيم هو الشخص الذي يعيش في صراع داخلي مكتوم، مما يولد أمراضًا نفسية واجتماعية لاحقة.
ثالثًا: التأمل التربوي في النص؛
1. تصحيح مفهوم “النعمة”:
ما يعده الناس بلاء قد يكون في الحقيقة نعمة؛ والقرآن يسمي ولادة الأنثى “بشارة”.
التربية الإيمانية تعيد صياغة المفاهيم من خلال معيار الرضا بقضاء الله.
2. إعادة بناء النظرة للأنثى:
هذه الآية تضع أسسًا لتربية قائمة على العدل، لا التمييز.
تُعدّ مقدمة لتربية الفتاة على الثقة والكرامة.
3. الأسرة العادلة تبدأ من استقبال الأنثى بفرح:
أول موقف من الطفلة يؤسس لتقديرها لذاتها لاحقًا.
التحيز يبدأ من المهد، ويعيد إنتاج الظلم.
رابعًا: تطبيقات اجتماعية معاصرة على الآية؛
1. مظاهر الجاهلية الجديدة:
– التحيز للولد في الأسماء، الميراث، التعليم.
– الإحباط عند ولادة بنت في بعض البيئات حتى اليوم.
– تحقير الأنثى في بعض الإعلام أو الأعراف باسم “العيب”.
2. أثر هذه النظرة على البنت:
– ضعف الثقة بالنفس.
– الشعور بالنقص داخل الأسرة.
– الرغبة في نيل القبول بأي وسيلة ولو بالإفراط في التنازل أو التمرد.
3. أثر هذه النظرة على المجتمع:
– انعدام التوازن التربوي.
– ترسيخ التمييز الجندري.
– تكرار أخطاء التربية الجاهلية في شكل جديد.
خامسًا: ملامح العلاج القرآني للتصور المنحرف؛
1. التساؤل القرآني: أيمسكه على هون أم يدسه؟:
تعرية نفسية للخيارات الجاهلية، وفضح قسوتها.
2. الإدانة القاطعة: ألا ساء ما يحكمون:
إعلان أن هذا الحكم الجاهلي ليس فقط خطأ، بل سيئ ومردود شرعًا وفطرة.
3. البشارة النبوية بفضل البنات:
“من ابتلي من هذه البنات بشيء فأحسن إليهن كن له سترًا من النار”. حديث: “من عال جاريتين حتى تبلغا…”.
سادسًا: الرسائل التوعوية المستخلصة؛
للآباء:
– فرحك بولادة الأنثى عبادة وقربى.
– التربية تبدأ من استقبال المولود بالحب والرضا.
للأمهات:
– لا تكوني عونًا لأحد على تحقير ابنتك أو نفسك.
– كوني فخورة بدورك في تربية البنات.
للمربين والخطباء والوعاظ:
– واجبنا تصحيح المفاهيم حول البنات بدءًا من المهد.
– تقديم النماذج النسائية القرآنية والواقعية.
للمجتمع:
– تمكين الفتاة لا يعني تقليد الغرب، بل تمكينها وفق شريعتنا القائمة على العدل.
– العدل بين الأبناء واجب، لا فضل.
خاتمة:
القرآن لا يروي الماضي لينبكي عليه، بل ليوقظ وعينا اليوم.
فـ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِالْأُنثَى﴾ ليست قصة جاهلية، بل مرآة يُحاسب بها واقع اليوم.
فلنعد لتقييم أنفسنا، ولنربي أبناءنا وبناتنا على الميزان الرباني:
﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى