السياسيةالقانــونقضايا المجتمعمنوعات

موت الصحافة الحقيقية وولادة صحافة “كوبي كولي”

الميزان/ الدار البيضاء: المصطفى قصاب

almizan.ma

موت الصحافة الحقيقية وولادة صحافة “كوبي كولي”
الميزان/ الدار البيضاء: المصطفى قصاب
في المغرب اليوم، يوجد نوعان من الصحافيين.
*النوع الأول:* يستيقظ الساعة الخامسة صباحا، يلبس حذاءه الرياضي، يحمل كاميرته وقلمه، ويركب الحافلة إلى سوق الجملة، إلى المحكمة، إلى المستشفى، إلى دوار منسي في ضواحي سطات أو خريبكة. يشم رائحة الواقع، يسمع سب المواطن، يرى دموع الأم.
*النوع الثاني:* يستيقظ الساعة الحادية عشرة، يفتح حاسوبه في مقهى مكيف في الدار البيضاء أو الرباط، يفتح 10 مواقع: هسبريس، العمق، اليوم 24، فيسبوك، ثم يبدأ عملية “كوبي كولي” باحترافية. يغير العنوان قليلا، ويضيف وحسب مصادر وينشر الخبر وكأنه فتح الفتوح.
الأول صحافي، الثاني مجرد ناقل.
الصحافي الميداني: يصنع الخبر
الصحافي الميداني هو الذي ذهب إلى زلزال الحوز في نفس الليلة، نام في العراء، ونقل صراخ الأطفال تحت الأنقاض قبل أن تصل حتى الوقاية المدنية.
هو الذي دخل إلى مستشفى ابن رشد بدون إذن، وصور المرضى نائمين على الأرض، فأقيل مدير المستشفى في اليوم الموالي.
هو الذي جلس مع عائلة الخرشاني في بيت العزاء، وسمع دعاء الأم، وكتب تعزية مؤثرة هزت القلوب، لأنه كان هناك.
مميزات صحافي الميدان:
1. الخبر عنده له رائحة: عندما يكتب عن ارتفاع أسعار الطماطم، هو سأل 5 فلاحين و3 خضارة وسيدة تشتري.
2. لديه مصادر حقيقية: الشرطي، الممرض، الفلاح، سائق الطاكسي، كلهم أصدقاؤه.
3. يتعرض للخطر: قد يضرب، قد يعتقل، قد يسب، لكنه لا يخاف لأنه يحمل الحقيقة.
4. لا يمكن خداعه: لا يمكنك أن تكذب عليه ببلاغ رسمي، لأنه كان في عين المكان ورأى العكس.
هذا الصحافي هو الذي يحترمه المواطن، لأنه يشبهه. حذاؤه متسخ بالتراب مثله.
صحافي “المواقع”: يسرق الخبر
أما النوع الثاني، فهو ظاهرة جديدة ولدت مع فيسبوك سنة 2015.
مكتبه هو جوجل. مصادره هي المواقع الأخرى. ميدانه هو “Ctrl+C” و “Ctrl+V”.
يأخذ مقالا كتبه صحافي ميداني بعد 3 أيام من البحث في سطات، ويعيد صياغته في 3 دقائق وينشره بنفس التاريخ، بل ويتفوق عليه في المشاهدات لأنه يملك صفحة فيها مليون متابع.
خطورة هذا النوع:
1. ينشر الإشاعة بسرعة البرق: لا يتحقق، لا يتصل، لا يذهب. إذا كتب موقع مجهول أن فلانا مات، ينقلها في ثانية، وتتحول الإشاعة إلى حقيقة.
2. يقتل الصحافة: لماذا سيتعب صاحب الموقع ويصرف المال ليرسل صحافيا إلى سطات إذا كان بإمكانه سرقة الخبر مجانا من صحافي آخر؟
3. يخدع القارئ: يكتب علمت جريدتنا من مصادر خاصة وهو لم يغادر المقهى.
4 يسترزق من مآسي الناس: أكبر نسبة مشاهدة تأتي من عناوين الفضائح والموت، فيتاجر بها بدون حتى أن يكلف نفسه عناء تقديم واجب العزاء.
هذا ليس صحافيا، هذا لص أخبار.
الفرق بالأرقام.. من يحترمه المواطن؟
قمنا بسؤال 100 مواطن في سطات والدار البيضاء:
– 82% قالوا: نثق في الصحافي الذي نراه في السوق والمحكمة والمستشفى.
– 11% قالوا: لا نثق في أي صحافي.
– 7% فقط يتابعون مواقع “كوبي كولي”.
مواطن في سطات قال لنا جملة تلخص كل شيء: الصحافي اللي جا عندنا للدوار وسول فينا على الماء المقطوع، هذا ولد الشعب. أما اللي كاتب علينا وهو في كازا، هذا كذاب.
رسالة إلى وزير الشباب والثقافة والتواصل
اليوم، الدعم العمومي للصحافة يذهب بالتساوي للجميع. الموقع الذي يسرق الأخبار يأخذ نفس دعم الموقع الذي يخرج للميدان.
هذا قتل للمهنة.
يجب أن تربط البطاقة المهنية للصحافة بعدد التقارير الميدانية، وليس بعدد المقالات المنسوخة.
يجب أن يعاقب المجلس الوطني للصحافة مواقع “كوبي كولي” كما يعاقب القانون لصوص الملكية الفكرية.
الصحافة ليست وظيفة.. الصحافة حذاء متسخ
أكبر الصحافيين في العالم، من محمد حسنين هيكل إلى بوب وودوارد الذي أسقط نيكسون، لم يصبحوا كبارا وهم جالسون وراء المكاتب.
الصحافة الحقيقية هي أن تخرج، أن تتسخ، أن تسمع، أن تشم، أن تبكي مع الناس.
الصحافي الذي يتنقل بين المواقع لالتقاط الخبر، قد يكسب المال والمشاهدات، لكنه لن يكسب أبدا احترام الناس، ولن يكتب اسمه في تاريخ هذه المهنة.
أما الصحافي الميداني، فراتبه قليل، وحذاؤه ممزق، لكنه عندما يموت، سيبكيه الفلاح والعامل والمواطن البسيط، لأنه كان واحدا منهم.
والفرق بين الاثنين، كالفرق بين من يزرع القمح ومن يسرق الخبز.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى