الاقتصاديةالسياسيةالقانــونقضايا المجتمعكتاب الراىمنوعات

بعد هدم المساكن السلطات تطالب بدفع 10 ملايين سنتيم مقابل الاستفادة، ما هذا العبث؟

الميزان/ الدار البيضاء: ذ.المصطفى قصاب

almizan.ma

بعد هدم المساكن السلطات تطالب بدفع 10 ملايين سنتيم مقابل الاستفادة، ما هذا العبث؟
الميزان/ الدار البيضاء: ذ.المصطفى قصاب
يعيشون في براريك من القصدير، لكن بكرامة. كانوا يعرفون أنهم فقراء، لكن يملكون سقفا يحميهم من البرد والحر.
جاءتهم السلطات ذات صباح، بوعود وردية، وقالت لهم: سنرحل بكم إلى شقق جديدة، نظيفة، فيها الماء والضوء، وستعيشون مثل الناس.
صدقوا الوعود، ووقعوا على أوراق لم يقرأوها، وخرجوا من براريكهم طواعية، وشاهدوا الجرافات تهدم ذكريات 40 سنة في ساعات.
واليوم، بعد أن هُدمت مساكنهم، تحولت الوعود إلى كابوس يطاردهم في الليل والنهار: مطالبتهم بدفع 10 ملايين سنتيم، أي 100 ألف درهم، مقابل الاستفادة من الشقة التي وعدوهم بها مجانا.
السكان يصرخون بصوت واحد: ما هذا العبث؟ واش حنا كنا ساكنين في البراريك حيت عندنا 10 ملايين؟ كون كان عندنا 10 ملايين، كون شرينا دار من شحال هادي، وما بقيناش في القصدير.
*الفصل الأول: من براكة إلى الشارع.. القصة من البداية*
التقينا بالسيد الحاج أحمد، 68 سنة، كان يسكن في دوار لكوارة بسباتة، قبل أن يتم هدم براكته في أكتوبر 2026.
وقال وهو يبكي، ويحمل حقيبة بلاستيكية فيها أوراقه: “جاو عندنا القايد والمقدم، قالو لينا: غادي تهدمو، وغادي تستافدو من شقق في مشروع النصر بمديونة، مجانا، حيت نتوما من سكان دور الصفيح، والدولة كتعاونكم. فرحنا، درنا الحفلة، وخرجنا من البراكة، والجرافة ريبتهالينا قدام عينينا”.
وأضاف: “من بعد أسبوع، عيطو ليا، قالو ليا: أجي خلص 10 ملايين سنتيم، باش تاخد الشقة. قلت ليهم: منين غادي نجيب 10 ملايين؟ أنا كنبيع الخضرة في السوق، كنصور 100 درهم في النهار، عندي 6 ديال الولاد. 10 ملايين هي الثروة ديالي كاملة في 68 عام. قالو ليا: إلا ما خلصتيش، ما غاديش تستافد، وغادي تبقى في الزنقة”.
الحاج أحمد اليوم، يعيش مع زوجته وأبنائه الستة في كراج يكتريه بـ 1200 درهم شهريا في سيدي مومن، وينتظر الفرج، أو الموت.
*الفصل الثاني: 10 ملايين.. من أين؟ وكيف؟ ولماذا؟*
حسب الوثائق ، فإن السلطات تطلب من الأسر المهدمة مساكنها، دفع مبلغ يتراوح بين 8 ملايين و 10 ملايين سنتيم، تحت مسميات مختلفة:
– مساهمة المستفيد في ثمن الشقة.
– مصاريف الملف والتحفيظ.
– تسبيق قبل تسليم الشقة.
وقال مسؤول في شركة العمران : “الشقة ثمنها الحقيقي هو 25 مليون سنتيم، والدولة تتحمل 15 مليون، والمستفيد يتحمل 10 ملايين فقط، وهذا ثمن رمزي، ويمكنه أن يؤديه عبر قرض بنكي”.
لكن هذا الكلام، الذي يبدو منطقيا في المكاتب المكيفة، يبدو عبثيا في الأحياء الشعبية.
وقال الخبير الاقتصادي: “كيف تطلب من شخص كان يعيش في براكة من القصدير، ولا يملك حسابا بنكيا، ولا يملك دخلا قارا، أن يدفع 10 ملايين سنتيم؟ وكيف سيمنحه البنك قرضا، وهو لا يملك ضمانات؟ هذا هو العبث بعينه. الدولة تعرف أن هؤلاء الناس لا يملكون 10 ملايين، ومع ذلك تطلب منهم ذلك، لكي تقصيهم، وتستولي على الشقق، وتبيعها لأشخاص آخرين”.
وأضاف: “في 2010، كان المستفيد يدفع 2 مليون سنتيم فقط. في 2015، أصبح يدفع 4 ملايين. اليوم، أصبح يدفع 10 ملايين. كل عام يزيدون الثمن، والفقير يزداد فقرا. من هنا لـ 5 سنين، غادي يطلبو منهم 20 مليون”.
*الفصل الثالث: شهادات حارقة.. نساء وأرامل وشباب في الشارع*

التقى المراسل بعشرات الأسر التي هُدمت مساكنها، وطُلب منها دفع 10 ملايين، وجميعها تعيش اليوم في وضعية كارثية:
– السيدة خديجة، أرملة، 55 سنة، من دوار الحاجة بسيدي مومن: هُدمت براكتها في 2023، وطُلب منها دفع 10 ملايين. قالت: “راجلي مات، وأنا كنغسل الماعن في الديور، كنصور 1500 درهم في الشهر. منين غادي نجيب 10 ملايين؟ أنا وولادي 3 سنين وحنا في الكراء، وكنخلص 1500 درهم كراء، يعني كنموت بالجوع باش نخلص الكراء. والشقة اللي وعدوني بها، باعوها لواحد آخر، حيت هو خلص 10 ملايين”.
– الشاب يوسف، 30 سنة، من دوار العرش بعين السبع: قال: “أنا خدام في شركة، صاليري ديالي 3500 درهم. البنك رفض يعطيني قرض، حيت الصالير ديالي ضعيف. قالو ليا: جيب 10 ملايين كاش، أو سير للزنقة. أنا ومراتي وولدي، ساكنين اليوم في بيت واحد مع الواليدة، 6 ديال الناس في بيت واحد، حيت ما عندناش 10 ملايين”.
– السيدة فاطمة، 60 سنة، من دوار السكويلة بالحي المحمدي: قالت: “أنا بعت الدهب ديالي كامل، وبعت التلفازة والثلاجة، وجمعت 3 ملايين، وباقي خاصني 7 ملايين. مشيت عند القايد، قلت ليه: عافاك، عطيني الشقة، وأنا نخلص بالتقسيط، 500 درهم في الشهر. قال ليا: القانون ما كيسمحش، خاصك تخلصي كامل. واش القانون كيسمح يريبوا ليا داري، وما كيسمحش يعطيوني دار بالتقسيط؟”.
*الفصل الرابع: أين تذهب الشقق؟ الشقق تباع لمن يملك 10 ملايين*
كشف تحقيق ، أن الشقق التي كان من المفترض أن يستفيد منها سكان دور الصفيح، يتم بيعها في السوق السوداء، لأشخاص لا علاقة لهم بدور الصفيح، لكنهم يملكون 10 ملايين سنتيم.
وقال سمسار في مديونة: “الشقة ديال العمران اللي كتعطى لسكان البراريك، كتباع بـ 18 مليون و 20 مليون في السوق، حيت هي شقة نقية وفيها التحفيظ. كاين ناس كيخلصو 10 ملايين للعمران، وكيربحو 8 ملايين في البيع. وكاين مسؤولين كياخدو الشقق، وكيبيعوهم لصحابهم. والفقير اللي ما عندوش 10 ملايين، كيبقى في الزنقة”.
وأضاف: “أنا كنعرف 20 أسرة من سكان البراريك، ما قدروش يخلصو 10 ملايين، والشقق ديالهم تباعت لناس من خارج الدوار، عندهم الفلوس. هادي هي الحقيقة المرة”.
*الفصل الخامس: الدولة وعدت بالمجانية.. ماذا يقول القانون؟*
حسب الخطاب الملكي لسنة 2004، وحسب برنامج “مدن بدون صفيح”، فإن الدولة التزمت بالقضاء على دور الصفيح، وتمكين سكانها من سكن لائق، بمساهمة رمزية لا تتجاوز قدرتهم.
وقال محام متخصص في السكن الاجتماعي: “القانون يقول إن المساهمة يجب أن تكون رمزية، وأن تراعي الوضعية الاجتماعية للمستفيد. لكن ما يقع اليوم، هو أن المساهمة أصبحت ثمنا تجاريا، 10 ملايين، وهو مبلغ لا يستطيع الفقير دفعه. هذا خرق للقانون، وخرق للبرنامج الملكي، وخرق لحقوق الإنسان. السكن حق دستوري، وليس سلعة تباع لمن يدفع أكثر”.
وأضاف: “هناك أسر تم هدم مساكنها، ولم تستفد، لأنها لم تدفع 10 ملايين، وهي اليوم تعيش في الشارع. هذا يعتبر تشريدا قسريا، يعاقب عليه القانون الدولي”.
*الفصل السادس: النتائج الكارثية.. من سكن إلى تشرد*
نتيجة مطالبة الأسر بدفع 10 ملايين، ظهرت في الدار البيضاء ظواهر خطيرة لم تكن موجودة من قبل:
– *عودة البراريك:* أكثر من 300 أسرة، بعد أن هُدمت براريكها، ولم تستطع دفع 10 ملايين، عادت وبنت براريك جديدة من البلاستيك والخشب، في نفس المكان، أو في أماكن أخرى، لأنها لا تملك بديلا.
– *ارتفاع الكراء:* ثمن الكراء في سيدي مومن وسباتة ومديونة، ارتفع من 800 درهم إلى 2000 درهم، بسبب الطلب الكبير من الأسر المشردة.
– *تفكك الأسر:* أسر كثيرة تفرقت، الأب ذهب للعيش عند أخيه، والأم عند أختها، والأبناء عند أقاربهم، لأنهم لا يستطيعون الكراء معا.
– *الانتحار والمرض:* سجلت الجريدة حالتين لانتحار أباء، بعد أن عجزوا عن دفع 10 ملايين، ورأوا أبناءهم يعيشون في الشارع، وحالات كثيرة من الاكتئاب والأمراض النفسية.
وقال فاعل جمعوي في سباتة: “حنا كنا كنحاربو الصفيح، ودابا ولينا كنحاربو التشرد. الدولة هدمت البراريك، ولكنها لم تبن السكن، بل بنت التشرد. واش هادي هي التنمية؟ واش هادي هي العدالة الاجتماعية؟”.
*مطالب السكان: 4 مطالب عاجلة قبل فوات الأوان*
يطالب السكان المهدمة مساكنهم بـ:
1. *إلغاء مبلغ 10 ملايين سنتيم*، والعودة إلى المساهمة الرمزية، 2 مليون سنتيم، أو الاستفادة مجانا، كما وعدتهم الدولة في البداية.
2. *تسليم الشقق فورا* لكل أسرة هُدمت براكتها، دون اشتراط الدفع المسبق، مع إمكانية الأداء بالتقسيط، 300 درهم شهريا، حسب قدرتهم.
3. *فتح تحقيق* في الشقق التي بيعت في السوق السوداء، واسترجاعها وتسليمها لمستحقيها الحقيقيين.
4. *وقف جميع عمليات الهدم* في الدار البيضاء، حتى يتم حل مشكل 10 ملايين، وحتى لا تتكرر المأساة في دوار لكوارة ودواوير أخرى.
ما هذا العبث؟
كيف يعقل أن تهدم الدولة مسكن مواطن فقير، وتطلب منه بعد ذلك 10 ملايين سنتيم لكي يستفيد من سكن بديل؟
كيف يعقل أن يتحول برنامج “مدن بدون صفيح”، الذي كان هدفه القضاء على الفقر، إلى برنامج “مدن بدون فقراء”، الذي هدفه طرد الفقراء من مدنهم، وبيع شققهم لمن يملك المال؟
كيف يعقل أن يعيش المواطن 40 سنة في براكة، وفي الأخير يجد نفسه في الشارع، لأنه لا يملك 10 ملايين؟
إن ما يقع اليوم في الدار البيضاء، ليس إصلاحا، ولا تنمية، بل هو عبث، وظلم، وتشريد ممنهج للفقراء.
فهل ستستمع الحكومة وشركة العمران وعمالة الدار البيضاء لصرخة هؤلاء المشردين، وستلغي مطلب 10 ملايين، وتعيد لهم حقهم في السكن، أم أن الكابوس سيستمر، وسيبقى الفقراء يدفعون ثمن وعود كاذبة، تحولت إلى كابوس يطاردهم حتى في أحلامهم؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى