السياسيةالقانــونقضايا المجتمعكتاب الراىمنوعات

حديقة المليارات تتحول إلى مطرح نفايات مفتوح، أين شركة تدبير النفايات وأين من يسهر على مراقبتها؟ أم الكل في سبات عميق؟

الميزان/ الدار البيضاء: ذدالمصطفى قصاب

almizan.ma

حديقة المليارات تتحول إلى مطرح نفايات مفتوح، أين شركة تدبير النفايات وأين من يسهر على مراقبتها؟ أم الكل في سبات عميق؟
الميزان/ الدار البيضاء: ذدالمصطفى قصاب
لم يعد منتزه الحسن الثاني، الذي كان يعتبر رئة الدار البيضاء ومفخرتها، ومتنفسا لأكثر من مليون مواطن من أحياء سيدي مومن وسيدي البرنوصي وعين حرودة ومديونة وحد السوالم، مكانا للراحة والاستجمام، بل أصبح مطرحا مفتوحا للأزبال وأكياس البلاستيك والبقايا، ورائحة نتنة تزكم الأنوف، ومنظرا مقززا يخجل منه كل بيضاوي.
ففي جولة ميدانية قام بها المراسل صباح اليوم الأربعاء 04 نونبر 2026، داخل المنتزه الذي كلف تهيئته أكثر من 60 مليار سنتيم من أموال دافعي الضرائب، كانت الصدمة كبيرة: أكياس بلاستيكية متطايرة في كل مكان، قنينات بلاستيكية مرمية على العشب، بقايا أكل متناثرة، حاويات مملوءة عن آخرها ومتعفنة، وأعشاب يابسة، ومراحيض مغلقة، وكراسي محطمة.
المواطنون الذين قصدوا المنتزه للترفيه عن أبنائهم في عطلة نهاية الأسبوع، وجدوا أنفسهم في مزبلة، لا في حديقة.
جولة في قلب الكارثة: بالصور والأرقام
– المدخل الرئيسي من جهة سيدي مومن: أكوام من الأزبال متراكمة منذ 4 أيام حسب السكان، حاويتان فقط مكسورتان، والقطط والكلاب الضالة تتجول بين الأزبال بحثا عن الأكل.
– الملعب الكبير: أكياس بلاستيكية سوداء معلقة على الأشجار كأنها زينة، وقنينات “المونادا” البلاستيكية في كل زاوية. الأطفال يلعبون بين الأزبال.
– الفضاء الأخضر: العشب الذي كلف الملايين أصبح أصفر ويابسا، بسبب عدم السقي، وتراكم البلاستيك الذي يمنع نمو العشب ويقتل التربة.
– المراحيض العمومية: مغلقة منذ 3 أشهر، والمواطنون يضطرون لقضاء حاجتهم خلف الأشجار، مما زاد من تلوث المنتزه.
– البحيرة الاصطناعية: تحولت إلى مستنقع للبعوض والروائح الكريهة، مليئة بالأكياس البلاستيكية.
وقال أحد الحراس، الذي فضل عدم ذكر اسمه: الشركة اللي مكلفة بالنظافة ما كتجي غير مرة في الأسبوع، وكتجيب 3 ديال العمال لمنتزه فيه 50 هكتار. كيفاش غادي ينقيوه؟ العمال مساكن كيخلصوهم 2000 درهم، بلا تأمين، بلا أدوات، بلا حتى قفازات. كيقولو لينا: الشركة ما عندهاش الفلوس.
أين شركة تدبير النفايات؟ عقد بالملايير وخدمة بالسنتيمات.
هنا يطرح السؤال الكبير: أين هي شركة تدبير النفايات المفوض لها تدبير نظافة المنتزه؟
حسب معطيات من جماعة الدار البيضاء، فإن عقد تدبير نظافة منتزه الحسن الثاني مسند لشركة خاصة، بموجب صفقة تفويض التدبير المفوض، تبلغ قيمتها أكثر من 3.5 مليار سنتيم سنويا، وتشمل:
– تنظيف المنتزه يوميا 3 مرات.
– إفراغ الحاويات كل 12 ساعة.
– تشغيل 60 عامل نظافة.
– توفير 120 حاوية جديدة.
– سقي المساحات الخضراء.
لكن الواقع يقول عكس ذلك تماما. فالشركة، حسب شهادات العمال والسكان، لا تشغل سوى 12 عاملا فقط، ولا تفرغ الحاويات إلا مرة في الأسبوع، ولا تقوم بالسقي، ولا تحترم أي بند من بنود العقد.
وقال عضو في المجلس الجماعي للدار البيضاء : هذه الشركة فازت بالصفقة عن طريق المحسوبية، وليس عن طريق الكفاءة. دفتر التحملات واضح، لكن لا أحد يراقبها. الشركة تأخذ الملايير ولا تقدم شيئا. وعندما نسائل الرئيس عنها، يقول لنا: الملف عند لجنة التتبع. ولجنة التتبع نائمة.
أين من يسهر على مراقبة الشركة؟ الكل في سبات عميق.
وهنا تكمن الكارثة الثانية: غياب المراقبة.
فالمفروض أن هناك 3 جهات تراقب الشركة:
1. جماعة الدار البيضاء: عبر لجنة التتبع والمراقبة، التي يرأسها نائب الرئيس المكلف بالنظافة. لكن هذه اللجنة لم تجتمع منذ 8 أشهر.
2. شركة التنمية المحلية “الدار البيضاء للبيئة. المفروض أن تراقب الشركات المفوض لها، لكنها هي نفسها غارقة في المشاكل، ولا تملك موظفين ميدانيين كافين.
3. سلطة الوصاية – عمالة سيدي البرنوصي: التي يجب أن تراقب المنتزه لأنه يقع في نفوذها، لكنها تكتفي بإرسال تقارير شكلية.
وقال فاعل جمعوي بحي سيدي مومن: الكل في سبات عميق. الرئيس في سبات، والشركة في سبات، ولجنة التتبع في سبات، والعمالة في سبات. والوحيد اللي فايق هو المواطن اللي كيشم الريحة وكيتخنق بالأزبال. واش هادي هي الدار البيضاء اللي بغاو يديرو فيها كأس العالم 2030؟ واش غادي نستقبلو السياح في منتزه عامر زبل؟ حشومة.
وأضاف: المنتزه كان في عهد شركة سابقة، كان نقي وكيشعل بالضو. منين جات هاد الشركة الجديدة، ولى مزبلة. علاش؟ لأن العقد فيه الريع، والمراقبة ما كايناش، واللي كيهضر كيقولو ليه سكت.
الخطر الصحي: البلاستيك يقتل الأطفال والحيوانات.
حذر أطباء من أن تراكم البلاستيك والأزبال في المنتزه ليس مجرد مشكل جمالي، بل مشكل صحي خطير:
– الأكياس البلاستيكية تتفتت إلى جزيئات بلاستيكية دقيقة تتسرب للتربة والماء.
– الأزبال المتعفنة تجلب الفئران والبعوض والكلاب الضالة، التي تنقل أمراضا خطيرة كالليشمانيا وداء الكلب.
– الأطفال الذين يلعبون في المنتزه يتعرضون للحساسية والأمراض الجلدية والتهابات الجهاز التنفسي.
وقالت أم من سيدي مومن، كانت تجلس مع أبنائها الثلاثة في المنتزه: جيت باش ولادي يلعبو شوية، لقيت الزبل في كل بلاصة. ولدي الصغير هز قرعة بلاستيك من الأرض وبغا يشرب منها، منعته بالزز. هاد المنتزه ولا خطر على ولادنا. فين نمشيو؟ حنا ما عندناش الفلوس باش نمشيو للمولات والمنتزهات الخاصة. هاد المنتزه هو الوحيد اللي عندنا، حتى هو خلوه لينا مزبلة.
مطالب السكان: فسخ العقد ومحاسبة المتورطين.
يطالب سكان سيدي مومن وسيدي البرنوصي وعين حرودة بـ:
1. فسخ عقد شركة تدبير النفايات فورا، لعدم احترامها دفتر التحملات، وفتح تحقيق في كيفية حصولها على الصفقة.
2. تفعيل لجنة التتبع، ونشر تقاريرها للعموم، ومحاسبة كل مسؤول ثبت تقصيره.
3. حملة نظافة استعجالية لمدة أسبوع، بمشاركة السلطات والجمعيات، لإزالة كل الأزبال والبلاستيك من المنتزه.
4. منع البلاستيك داخل المنتزه، ووضع حاويات جديدة للفرز، وتشغيل حراس بيئيين.
منتزه الحسن الثاني يستغيث.
منتزه الحسن الثاني ليس مجرد حديقة، بل هو ذاكرة البيضاويين، وهو المكان الذي حمل اسم الملك الراحل، ولا يجوز أن يهان بهذا الشكل.
إن ترك المنتزه يتحول إلى مطرح للأزبال والبلاستيك، في الوقت الذي تتقاضى فيه الشركة الملايير، هو جريمة في حق المدينة وفي حق المواطنين.
فهل سيستيقظ مجلس مدينة الدار البيضاء وعمالة سيدي البرنوصي من سباتهم العميق، وسيحاسبون الشركة ويعيدون للمنتزه جماليته، أم سيبقى المنتزه مزبلة مفتوحة، شاهدا على فشل التدبير المفوض وغياب المراقبة؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى