السياسيةالفقه والشريعةالقانــونقضايا المجتمعكتاب الراىمنوعات

إلزام الزوج بالرجوع إلى بيت الزوجية بين القانون والشرع

الميزان/ الجديدة: الدكتور عبد الرحيم أشن

almizan.ma

إلزام الزوج بالرجوع إلى بيت الزوجية بين القانون والشرع
الميزان/ الجديدة: الدكتور عبد الرحيم أشن
دراسة فقهية قانونية حقوقية تأملية في ضوء حكم قضائي حديث بمحكمة الأسرة؛
مقدمة:
تُعد مؤسسة الزواج من أقدس المؤسسات الاجتماعية والشرعية، لما تقوم عليه من مقاصد عظيمة في حفظ النفس، والنسل، والاستقرار النفسي والاجتماعي.
وقد أحاطها الشرع الإسلامي بسياج من الحقوق والواجبات المتبادلة، كما أولتها التشريعات الحديثة – وعلى رأسها مدونة الأسرة – عناية خاصة بوصفها الخلية الأساسية للمجتمع.
وفي سابقة قضائية لافتة، أعادت المحكمة الابتدائية بمدينة الجديدة فتح النقاش حول حدود المسؤولية الزوجية، ومدى تدخل القضاء في فرض المعاشرة الزوجية، بعدما قضت بإلزام زوج بالرجوع إلى بيت الزوجية إثر مغادرته له دون مبرر قانوني معتبر.
هذا الحكم، وإن بدا غير مألوف في ظاهره، إلا أنه يثير إشكاليات عميقة تمس جوهر العلاقة الزوجية:
– هل السكنى والمعاشرة واجب شرعي وقانوني ملزم؟.
– وهل يملك القضاء سلطة إلزام الزوج بالرجوع؟.
– وأين تقف حدود الحرية الشخصية أمام مقتضيات الأسرة؟.
هذه الدراسة تحاول مقاربة هذه الأسئلة من زوايا متعددة: قانونية، فقهية، حقوقية، ومقاصدية.
أولاً: الإطار القانوني للحكم – قراءة في مدونة الأسرة؛
1. الأساس القانوني للمسؤولية الزوجية:
تنص مدونة الأسرة المغربية بوضوح على أن العلاقة الزوجية ليست مجرد رابطة عاطفية، بل عقد شرعي وقانوني يرتب التزامات متبادلة، من أبرزها:
– المعاشرة بالمعروف؛
– التعاون على تدبير شؤون الأسرة؛
– السكن المشترك؛
– تحمل المسؤولية الأسرية.
وتؤكد المادة 51 من مدونة الأسرة أن من الحقوق والواجبات المتبادلة بين الزوجين:
* المساكنة الشرعية، وحسن المعاشرة، والتعاون، والتشاور في تدبير شؤون الأسرة.
= وعليه، فإن مغادرة الزوج لبيت الزوجية دون سبب مشروع تمسّ هذه الالتزامات في جوهرها، وتشكل إخلالاً قانونياً صريحاً.
2. سلطة القضاء في إعادة التوازن الأسري:
لم يأتِ تدخل المحكمة من باب التضييق أو الإكراه المجرد، بل من منطلق:
– حماية مؤسسة الأسرة من التفكك؛
– إعادة التوازن بين الحقوق والواجبات؛
– منع الهروب الأحادي من المسؤولية؛
فالقضاء الأسري، وفق فلسفة المدونة، ليس مجرد جهة فصل، بل جهة إصلاح وحماية.
ثانياً: التأصيل الفقهي والشرعي لمسألة المساكنة الزوجية؛
1. المساكنة في الفقه الإسلامي:
اتفق جمهور الفقهاء على أن:
– السكنى والمعاشرة من مقتضيات عقد الزواج؛
– لا يجوز لأحد الزوجين الامتناع عنها دون عذر شرعي؛
قال الله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾.
وقال سبحانه: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ﴾.
والمعاشرة بالمعروف – عند العلماء – تشمل:
– الحضور الجسدي؛
– السكن المشترك؛
– المشاركة الوجدانية؛
– تحمل أعباء الحياة..
2. هل يجوز للزوج هجر بيت الزوجية؟
الهجر في الفقه:
– إما تأديبي مؤقت بضوابط شرعية؛
– أو فراق منضبط بأحكام الطلاق أو الخلع؛
أما الهجر المفتوح دون مسوغ، فهو:
– ظلم؛
– إخلال بالعقد؛
– إضرار بالطرف الآخر؛
وقد قرر الفقهاء قاعدة:
“لا ضرر ولا ضرار”.
وترك الزوج زوجته معلقة داخل بيت الزوجية يدخل في باب الضرر المحرم شرعاً.
ثالثاً: البعد الحقوقي – بين الحرية الفردية والمسؤولية الأسرية؛
1. هل الحكم يمس حرية الزوج؟
يُثار أحياناً أن إلزام الزوج بالرجوع:
– يتعارض مع الحرية الشخصية؛
– أو يُعد إكراهاً معنوياً.
غير أن هذا الطرح يتجاهل حقيقة جوهرية:
الزواج يقيّد الحرية الفردية بمقتضى الرضا بالعقد.
فالحرية هنا حرية تعاقدية، لا حرية مطلقة.
ومن اختار الزواج، فقد اختار ضمنياً:
– الالتزام؛
– المشاركة؛
– المسؤولية.
2. الحق في الاستقرار الأسري؛
للزوجة – كما للزوج – حق أصيل في:
– الاستقرار؛
– السكن؛
– الحضور الأسري؛
– عدم التعليق النفسي والاجتماعي.
ومن منظور حقوقي حديث، فإن:
الهجر غير المبرر؛ يُعد شكلاً من أشكال العنف الأسري الصامت.
رابعاً: المقاصد الشرعية للحكم القضائي؛
هذا الحكم، في عمقه، لا يمكن قراءته بمعزل عن مقاصد الشريعة، وعلى رأسها:
– حفظ الأسرة؛
– رفع الضرر؛
– تحقيق العدل؛
– سد ذرائع التفكك..
فالمقصد ليس إجباراً آلياً، بل:
– تحميل المسؤولية؛
– كبح التسيب؛
– منع تحويل الخلافات العابرة إلى انهيار دائم.
خامساً: إشكالية تدخل القضاء في الحياة الزوجية؛
1. حدود التدخل:
صحيح أن القضاء لا يستطيع فرض:
– المودة؛
– المشاعر
القبول القلبي.
لكنه يملك – شرعاً وقانوناً – فرض:
– الالتزام؛
– عدم الإضرار؛
– احترام العقد.
2. بين الإصلاح والإنهاء:
الحكم لا يمنع:
– الطلاق المشروع؛
– الانفصال المنظم
لكنه يمنع:
– الهروب؛
– التعليق؛
– التهرب من المسؤولية دون مسطرة قانونية.
خاتمة:
إن الحكم الصادر عن المحكمة الابتدائية بالجديدة لا يمكن اختزاله في كونه سابقة إجرائية فقط، بل هو رسالة قانونية وشرعية وأخلاقية مفادها أن الزواج:
– ليس علاقة ظرفية؛
– ولا التزاماً انتقائياً؛
– ولا مسؤولية تُؤدى جزئياً
بل هو ميثاق غليظ، يقوم على:
– السكن؛
– المعاشرة؛
– الحضور؛
– تحمل الأعباء.
وفي زمن تتعاظم فيه هشاشة العلاقات الأسرية، يأتي هذا التوجه القضائي ليعيد الاعتبار لمفهوم المسؤولية الزوجية الكاملة، وليؤكد أن الخلاف لا يبرر الهروب، وأن العدالة الأسرية ليست ضد الحرية، بل حامية للكرامة، والاستقرار، والعدل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى