إدانة محمد الغلوسي بين محاربة الفساد وحدود المسؤولية القانونية: قراءة في الخلفيات والتداعيات
الميزان/ مراكش: متابعة
تشكل إدانة محمد الغلوسي، رئيس الجمعية المغربية لحماية المال العام والمحامي بهيئة مراكش، في الشكاية المباشرة التي تقدم بها البرلماني ونائب عمدة مراكش يونس بنسليمان، حدثا قانونيا وسياسيا لافتا أعاد إلى الواجهة النقاش القديم المتجدد حول حدود حرية التعبير في قضايا الفساد، والفاصل الدقيق بين العمل الحقوقي والمساءلة الجنائية.
تعود وقائع القضية إلى تصريحات وخرجات إعلامية وبيانات صادرة عن الغلوسي بصفته الحقوقية، تناول فيها ملفات تتعلق بتدبير المال العام بمدينة مراكش، من بينها مشاريع عمومية مثيرة للجدل، مع توجيه اتهامات مباشرة أو ضمنية لمسؤولين منتخبين، من ضمنهم يونس بنسليمان. هذه التصريحات اعتبرها المشتكي تشهيرا وقذفا وبثا لوقائع كاذبة وانتهاكا لسرية التحقيق والمس بقرينة البراءة، ما دفعه إلى اللجوء إلى القضاء عبر شكاية مباشرة.
المحكمة، وبعد رفض طلب إيقاف البت ورد الدفوع الشكلية، قبلت الشكاية شكلا، وبتت في الموضوع بتبرئة الغلوسي من جنحة السب، في مقابل مؤاخذته من أجل جنح بث وتوزيع ادعاءات ووقائع كاذبة بقصد التشهير، والقذف، وانتهاك سرية التحقيق. وقضت في الدعوى العمومية بثلاثة أشهر حبسا موقوف التنفيذ وغرامة نافذة قدرها 1500 درهم، وفي الدعوى المدنية التابعة بأداء تعويض مدني لفائدة المطالب بالحق المدني قدره 20 ألف درهم، مع تحميله صائر الدعويين.
هذا الحكم، رغم طابعه غير النافذ من حيث العقوبة الحبسية، يحمل دلالات قانونية مهمة. فمن جهة، يؤكد أن القضاء يميز بين السب، الذي لم تثبت أركانه، وبين القذف والتشهير حين يتعلق الأمر بتوجيه اتهامات محددة لأشخاص معينين دون سند قضائي نهائي. ومن جهة أخرى، يعكس حرص المحكمة على حماية قرينة البراءة وسرية التحقيق، حتى عندما تصدر الاتهامات في سياق نقاش عمومي حول قضايا فساد.
على المستوى الحقوقي، اعتبر أنصار الغلوسي والجمعية التي يرأسها أن الحكم يشكل تضييقا على العمل الجمعوي ومحاولة لردع الأصوات المنتقدة للفساد وسوء التدبير، معتبرين أن دور المجتمع المدني يقتضي كشف الاختلالات وتنبيه الرأي العام، حتى قبل صدور أحكام قضائية نهائية. في المقابل، يرى خصوم هذا الطرح أن محاربة الفساد لا يمكن أن تتم خارج القانون، وأن الاتهام العلني لأشخاص بعينهم دون أحكام قضائية نهائية يشكل مساسا بحقوقهم وسمعتهم، ويقوض مبدأ دولة القانون.
هذه القضية تكشف عن التوتر القائم بين منطقين: منطق النضال الحقوقي الذي يرى في فضح شبهات الفساد واجبا أخلاقيا، ومنطق القانون الذي يضع حدودا دقيقة للكلام والاتهام حماية للأفراد ولقرينة البراءة. وهي بذلك لا تخص شخص محمد الغلوسي وحده، بل تطرح سؤالا أوسع حول الإطار القانوني الأمثل لممارسة الرقابة المجتمعية على تدبير المال العام، دون السقوط في فخ التشهير أو المساءلة الجنائية. ويبقى مآل هذه القضية، خاصة في حال الاستئناف، مؤشرا مهما على الاتجاه الذي سيسلكه القضاء المغربي في الموازنة بين حرية التعبير وحماية الحقوق الفردية.
عن بيان مراكش