النحو العربي في المشرق والغرب الإسلامي: قراءات تنظيرية وتطبيقية
الميزان/ الدار البيضاء: ندوة علمية
نظمت المنظمة الدولية لحماية التراث والمركز الدولي للدراسات التراثية ندوة علمية دولية بعنوان: “النحو العربي في المشرق والغرب الإسلامي: قراءات تنظيرية وتطبيقية”.
استُهلت الندوة بجلسة افتتاحية ترأسها الأستاذ الدكتور محمد التاقي، تضمنت كلمة رئيس المنظمة الدولية لحماية التراث الأستاذ الدكتور محمد جودات، وكلمة مدير المركز الدولي للدراسات التراثية الأستاذ الدكتور محمد السيدي، وكلمة رئيسة المكتب الإقليمي للمنظمة بأوروبا الأستاذة الدكتورة مارابيلاس أغييار أغيلار.
تلت الجلسة الافتتاحية الجلسة العلمية برئاسة الأستاذ الدكتور فيصل الشرايبي، وقد استهلت الدكتورة مارابيلاس أغييار أغيلار الجلسة بإبحار معرفي في تراجم “الآجرومية” و”كافية ابن الحاجب”، مبينة أن النحو لم يكن علما جافا، بل هو السجل الذي حفظ تراث الأمة، والوعاء الذي احتضن شعائر الدين، والقالب الذي تشكلت فيه ملامح المجتمع العربي. داعيةً إلى الاقتداء بنهج الأمم التي قدّست موروثها وصانته من الاندثار. وفي تعقيب رصين، أكد الدكتور فيصل الشرايبي أن اللغة تمثل النواة التي تنبت منها الأمم، فما عُزّت أمةٌ أضاعت لسانها، ولا استقامت حضارة جفت منابع إرثها اللغوي.
قدم الأستاذ الدكتور محمد السيدي مداخلته الموسومة بــ “من علم العربية إلى النحو” فأبان عن كنه الصناعة اللغوية، وميز بين النحوي الساعي لتقويم اللسان واللساني المنكب على تشريح كنه البيان، مشيرا إلى تميز نحاة الغرب الإسلامي بالاستدلال المنطقي. كما أثار الجدل في مرجعيات “العامل” النحوي، ليختم بدعوة إلى إعادة القراءة؛ إيمانا بأن النصوص العميقة لا تمنح مفاتيحها إلا لمن أدمن طرق أبوابها بالتدبر والتكرار.
وقدم الأستاذ الدكتور محمد التاقي في مداخلته تأملات في التصريف العربي، مبينا أسرار البناء ومكامن الجمال، فأكد أن النحو ليس ترفا فكريا، بل هو كينونة تسكننا ونحيا بها. وفي لفتة معاصرة، استعرض قصور الذكاء الاصطناعي الذي رغم تطوره الكبير، ما زال يتعثر في أشواك اللحن النحوي. كما أبرز تلازم النحو والتصريف كونهما مفتاحي البيان، معتبرا الصرف الأشدَّ تعقيدا ومراسا مقارنة مع النحو، واختتم بدعوة تجديدية فارقة، تحثّ على تجاوز جمود القواعد نحو رؤية تدرك روح النحو لا مجرد رسومه.
وفي كلمة الأستاذ الدكتور محمد جودات استحضار لأمجاد الأندلس وحظوتها في تشييد صرح النحو العربي، مبرزا فضلها العميم في بلورة قضاياه الكبرى. ثم انتقل ليفنّد بصرامة علمية طعنات المستشرقين الموجهة لقلب التراث، لا سيما طعنهم في القراءات القرآنية. وقد أبان عن عبقرية القراءات التي مكنت الألسن المختلفة من النطق بالوحي دون المساس بجوهر الخطاب الأصلي؛ فكان هذا التنوع هو الحصن الذي حال دون تحريفه، إذ جعل من انتشار القرآن بين القبائل بوجوه متعددة ضمانة إلهية لحفظه من كل تبديل وتحريف.
واختتمت الجلسة العلمية بمداخلة الأستاذة الدكتورة أسماء كويحي الموسومة بــ “قراءة في مسألة باء الترك”، وقد سلطت الدكتورة الضوء على إحدى مسائل الدرس النحوي ودقائقه، وهي “باء الترك”، موضحة أن القاعدة المشهورة تقضي باقتران هذه الباء بالشيء الذي نتركه (المتروك) وهو ما يتجلى بوضوح في البيان الإلهي: “أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير”؛ فالخير هنا هو المتروك وقد لحقت به الباء. إلا أن الدكتورة لم تحصر المسألة في هذا الضيق، بل استعرضت شواهد من عيون الشعر العربي تُثبت جواز دخول الباء على (المأخوذ) في سياقات معينة.
ولأن العلم وفاء كما هو أداء، اختتمت الندوة بجلسة تأبينية مباركة، تضمنت شهادات عبرت عن محبة ووفاء لروح الأستاذ الدكتور محمد رقيد رحمه الله. وقد شهدت هذه اللحظات الوجدانية شهادات صادقة من السادة الأساتذة:
د. محمد جودات، د. محمد التاقي، دة. إلهام البوزيدي، ذ. نبيل لهوير، ذ. يوسف شفقي، د. عبد العزيز راجل.
وجوهر ما جاء فيها هو أن الأستاذ رقيد رحمة الله عليه كان مدرسة في العلم والخلق؛ فقد عُرف بمنهجه التجديدي الإبداعي وإخلاصه الأبوي لطلبته، وسخّر خبرته لخدمتهم بصدق. كما رُسمت صورته الإنسانية في أبهى تجلياتها ببرّه بوالدته، وكرمه الغامر مع صحبه، وتواضعه الجمّ الذي جعله يفرُّ من وهج الصدارة ليحلَّ في القلوب سكينةً وأثرا.
لقد كان هذا المحفل العلمي روضة غَنَّاء، تقاطفت فيها العقول ثمار النحو العربي، وارتوى الحاضرون من معينه الثر العذب.
حفظ الله لغتنا الشريفة، سادنة الحضارة ومنارة البيان.