الاقتصاديةالسياسيةالقانــونقضايا المجتمعمنوعات

شركات متورطة في غسل الاموال، وتحقيق سري يكشف شبكة التزوير والفواتير الوهمية هزت الدار البيضاء.

الميزان/ الدار البيضاء: ذ.المصطفى قصاب

almizan.ma

شركات متورطة في غسل الاموال، وتحقيق سري يكشف شبكة التزوير والفواتير الوهمية هزت الدار البيضاء
الميزان/ الدار البيضاء: ذ.المصطفى قصاب
7 ملايير سنتيم، أي 70 مليون درهم، هو المبلغ الذي حاولت ست شركات بالدار البيضاء غسله عبر الضرائب، في واحدة من أكبر عمليات تبييض الأموال التي تم الكشف عنها في السنوات الأخيرة، والتي كادت أن تمر دون أن ينتبه إليها أحد، لولا يقظة مصالح المديرية العامة للضرائب، والوحدة الوطنية للمعلومات المالية.
التحقيق الذي أجراه المراسل، بناء على وثائق رسمية وتصريحات مصادر مطلعة، يكشف كيف تحولت ست شركات وهمية، لا تملك مقرات حقيقية ولا عمالا، إلى آلة لغسل الأموال، عبر فواتير وهمية، وتصريحات ضريبية مزورة، وشركات صورية في الخارج.
والسؤال الذي يطرحه الجميع اليوم: من يقف وراء هذه الشركات؟ ومن هي الشخصيات النافذة التي كانت تحميها؟ ولماذا تم التستر على القضية لأكثر من سنة؟
*الفصل الأول: كيف بدأت القضية؟ إشعار بنكي يكشف كل شيء*
بدأت القضية في شهر مارس 2026، عندما توصلت المديرية العامة للضرائب بإشعار من أحد البنوك بالدار البيضاء، يفيد بوجود تحركات مالية مشبوهة في حسابات ست شركات، كلها مسجلة في نفس العنوان بحي المعاريف، وكلها لديها نفس المسير.
الشركات الست، التي سنرمز لها بالحروف (A – B – C – D – E – F) حفاظا على سرية التحقيق، تعمل حسب وثائقها الرسمية في مجالات: الاستيراد والتصدير، البناء، بيع السيارات، والخدمات المعلوماتية.
لكن التحقيق الأولي أثبت أن هذه الشركات لا وجود لها على أرض الواقع:
– لا مقر حقيقي: العنوان المصرح به هو شقة فارغة في المعاريف، لا يوجد فيها أي موظف.
– لا عمال: الشركات الست لا تصرح بأي أجير لدى صندوق الضمان الاجتماعي.
– لا نشاط حقيقي: لا توجد أي سلعة، ولا أي ورش بناء، ولا أي خدمة مقدمة.
ومع ذلك، هذه الشركات الست، قامت خلال سنة 2024 و 2025، بإصدار فواتير بقيمة إجمالية بلغت 7 ملايير سنتيم، أي 70 مليون درهم، وقامت بأداء ضرائب عليها، في محاولة لإضفاء الشرعية على أموال مشبوهة المصدر.
*الفصل الثاني: الطريقة.. كيف تغسل 7 ملايير عبر الضرائب؟*
كشفت مصادر ، أن الشبكة كانت تعتمد على تقنية خطيرة ومعقدة، تسمى الغسل عبر الفوترة الوهمية، وتتم عبر 4 مراحل:
1. المرحلة الأولى: إدخال الأموال القذرة
الشبكة كانت تتوصل بأموال نقدية ضخمة، مصدرها غير معروف، يشتبه في أنها من التهريب الدولي، والاتجار في المخدرات، والتهرب الضريبي لشركات كبرى. هذه الأموال كانت تدخل إلى حسابات الشركات الست على شكل إيداعات نقدية صغيرة، لا تتجاوز 100 ألف درهم في اليوم، لتفادي مراقبة البنوك.
2. المرحلة الثانية: إصدار فواتير وهمية.
بعد إدخال الأموال، تقوم الشركات الست بإصدار فواتير وهمية فيما بينها. الشركة A تبيع للشركة B بضاعة وهمية بـ 1 مليار، والشركة B تبيع للشركة C بنفس المبلغ، وهكذا، حتى تدور الأموال بين الشركات الست، وتبدو وكأنها أرباح تجارية حقيقية.
3. المرحلة الثالثة: أداء الضرائب لتبييض الأموال.
وهنا تكمن خطورة العملية، وذكاء الشبكة. فبدل أن تتهرب من الضرائب، كانت الشبكة تؤدي الضرائب طوعا، وبنسبة 20% على الأرباح الوهمية، أي أنها أدت حوالي 1.4 مليار سنتيم كضرائب للدولة، وذلك لإضفاء الشرعية على الأموال. لأن الشركة التي تؤدي الضرائب، تبدو شركة قانونية ونزيهة، ولا أحد يشك فيها.
وقال خبير مالي : هذه هي الطريقة الجديدة لغسل الأموال في المغرب. في السابق، كان المجرمون يتهربون من الضرائب. اليوم، أصبحوا يؤدون الضرائب لكي يغسلوا أموالهم. يقولون للدولة: خذي 20%، واتركي لنا 80% نظيفة. وهذا أخطر من التهرب الضريبي، لأنه يجعل المال القذر يبدو نظيفا أمام القانون.
4. المرحلة الرابعة: تحويل الأموال إلى الخارج.
بعد أن تصبح الأموال نظيفة في نظر القانون، تقوم الشركات الست بتحويلها إلى حسابات في الخارج، في دول تعتبر ملاذات ضريبية، تحت ذريعة استيراد بضائع وهمية، أو أداء خدمات استشارية.
*الفصل الثالث: من يقف وراء الشركات الست؟*
التحقيق الذي باشرته الفرقة الوطنية للشرطة القضائية، والوحدة الوطنية للمعلومات المالية، أثبت أن الشركات الست يديرها شخص واحد، يبلغ من العمر 42 سنة، ينحدر من الدار البيضاء، وكان يشتغل سابقا كمحاسب في شركة كبرى، قبل أن يؤسس شبكته الخاصة.
هذا الشخص، كان يستعين بأربعة أشخاص آخرين، بينهم محاسب، ومحام، وموظف سابق في إدارة الضرائب، وسمسار عقاري، لتسهيل عمليات التزوير.
كما كشف التحقيق، أن الشبكة كانت تتوفر على حماية من شخصيات نافذة، كانت تتدخل لوقف أي تحقيق، وأن ملف الشركات الست ظل مجمدا في إدارة الضرائب لأكثر من سنة، قبل أن يتم تحريكه بعد تدخل جهات عليا.
وقال مصدر قضائي : هذه ليست شبكة صغيرة، بل هي جزء من شبكة أكبر، تغسل أكثر من 50 مليار سنتيم سنويا في المغرب، عبر نفس الطريقة. الست شركات التي تم الكشف عنها هي مجرد رأس جبل الجليد. وهناك شركات أخرى في طنجة وأكادير والرباط، تشتغل بنفس الطريقة.
*الفصل الرابع: أين ذهبت 7 ملايير؟*
حسب المعطيات التي حصلت عليها الجريدة، فإن 7 ملايير سنتيم تم توزيعها كالتالي:
– 1.4 مليار سنتيم: تم أداؤها كضرائب للدولة، في محاولة لتبييض الأموال.
– 2 مليار سنتيم: تم تحويلها إلى الخارج، إلى حسابات في إسبانيا وتركيا والإمارات.
– 1.5 مليار سنتيم: تم استثمارها في شراء شقق فاخرة في الدار البيضاء وطنجة، بأسماء أقارب أعضاء الشبكة.
– 1 مليار سنتيم: تم شراء سيارات فاخرة بها، وبيعها لاحقا.
– 1.1 مليار سنتيم: تم حجزها من طرف البنوك، بعد تجميد حسابات الشركات.
*الفصل الخامس: ماذا فعلت السلطات؟*
بعد كشف العملية، تحركت السلطات بسرعة:
– تم تجميد جميع الحسابات البنكية للشركات الست.
– تم الحجز على 12 شقة فاخرة، و 8 سيارات فاخرة.
– تم اعتقال 5 أشخاص، بينهم المسير الرئيسي، وتمت متابعتهم بتهم: تكوين عصابة إجرامية، غسل الأموال، التزوير في محررات رسمية، والتهرب الضريبي.
– تمت إحالة الملف على قاضي التحقيق بمحكمة الاستئناف بالدار البيضاء.
لكن السؤال الذي يبقى مطروحا: لماذا لم يتم الكشف عن أسماء الشركات الست؟ ولماذا لم يتم الكشف عن الشخصيات النافذة التي كانت تحميها؟
وقال محام متخصص في قضايا غسل الأموال: في المغرب، عندما يتعلق الأمر بغسل الأموال، يتم التستر على الأسماء الكبيرة، ويتم تقديم الأسماء الصغيرة ككبش فداء. الشركات الست ليست إلا واجهة، والأموال الحقيقية تعود لشخصيات أكبر، تعيش في الفيلات الفاخرة، ولا أحد يجرؤ على الاقتراب منها.
*الفصل السادس: المغرب في مواجهة غسل الأموال.. الأرقام المخيفة*
حسب تقرير مجموعة العمل المالي (GAFI)، فإن المغرب يخسر سنويا أكثر من 30 مليار درهم بسبب غسل الأموال والتهرب الضريبي، أي ما يعادل ميزانية وزارة الصحة لسنة كاملة.
وقال الخبير الاقتصادي: 7 ملايير التي تم غسلها عبر الضرائب، كان يمكن أن تبني 10 مدارس في سيدي مومن وسباتة، و 5 مستشفيات في حد السوالم ومديونة، وأن تشغل 1000 شاب. لكنها ذهبت إلى جيوب المجرمين، وإلى حسابات في الخارج، بينما الفقراء يموتون بالجوع.
مطالب المجتمع المدني: 4 مطالب لوقف نزيف غسل الأموال.
تطالب جمعيات حماية المال العام بـ:
1. نشر أسماء الشركات المتورطة، وعدم التستر عليها، لأن الحق في المعلومة حق دستوري.
2. محاسبة الموظفين المتورطين في إدارة الضرائب والبنوك، الذين سهلوا العملية.
3. تشديد المراقبة على الشركات الوهمية، وإلزام كل شركة بإثبات مقرها الحقيقي ونشاطها الحقيقي.
4. مصادرة جميع الأموال المغسولة، وإعادة توجيهها لبناء المدارس والمستشفيات في الأحياء الشعبية.
غسل 7 ملايير بالضرائب.. جرس إنذار.
إن قضية غسل 7 ملايير بالضرائب عبر ست شركات، ليست مجرد قضية مالية، بل هي جرس إنذار، يكشف أن المجرمين في المغرب أصبحوا أكثر ذكاء، وأنهم يستعملون حتى الضرائب، التي من المفترض أن تكون أداة للدولة لحماية المال العام، ليغسلوا أموالهم القذرة.
فهل ستجرؤ العدالة على كشف كل أسماء المتورطين، مهما كانت مناصبهم، واسترجاع 7 ملايير إلى خزينة الدولة، أم أن القضية ستغلق في صمت، كما أغلقت قضايا أخرى، ويبقى الفقراء يدفعون الضرائب، والأغنياء يغسلون أموالهم بالضرائب؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى