كيف تحولت حصة “يوغا” إلى مسرح لجريمة إعدام شابين؟ وما علاقة “الباطرونات” وتصفية الحسابات؟
الميزان/ المنصورية: ذ.المصطفى قصاب
لم تكن ليلة الخميس 30 أكتوبر 2026 ليلة عادية في جماعة المنصورية الهادئة، التابعة لإقليم بنسليمان، والمعروفة بفيلاتها وشاطئها ومخيماتها الصيفية. فقد تحولت أزقة حي سيدي موسى بنعلي، القريب من الشاطئ، إلى مسرح جريمة مروعة، اهتز لها الرأي العام المغربي: شابان في مقتبل العمر، 24 و26 سنة، يلقى مصرعهما رميا بالرصاص، في وضح النهار، أمام المارة، وبطريقة توحي بإعدام وليس مجرد شجار عابر.
الرواية الرسمية لا تزال غامضة، والتحقيق القضائي لا يزال في بدايته، لكن روايات الشهود، وتسجيلات كاميرات المراقبة، والرسائل التي توصلت بها الجريدة، ترسم سيناريو خطيرا: شبكة من أصحاب النفوذ، يطلق عليهم السكان “باطرونات اليوغا” أو “باطرونات الفيلات”، يشتبه في تورطهم في تصفية حسابات دموية.
هذا التحقيق لا يقدم أحكاما نهائية، بل يعرض ما توصلنا إليه من شهادات ومعطيات، في انتظار ما ستكشفه تحقيقات الدرك الملكي والنيابة العامة.
الفصل الأول: ماذا حدث بالضبط؟ الساعة 18:40.. 7 رصاصات.
حسب شهود عيان التقتهم الجريدة، وحسب مصدر مقرب من التحقيق:
– الساعة 18:30: الشابان (ن.ب) 24 سنة، من المنصورية، و (ي.ل) 26 سنة، من المحمدية، كانا على متن دراجة نارية من نوع “T-Max”، متوجهين نحو مقهى قرب الشاطئ.
– الساعة 18:40: اعترضت طريقهما سيارة رباعية الدفع سوداء اللون، بدون لوحات ترقيم أمامية حسب الشهود، نزل منها شخصان ملثمان، يحملان ما يبدو أنه مسدس أوتوماتيكي.
– الساعة 18:41: أطلقا 7 رصاصات، 4 أصابت الشاب الأول في الرأس والصدر، و3 أصابت الثاني في الظهر. توفي الأول على الفور، والثاني توفي بعد نقله لمستشفى مولاي عبد الله بالمحمدية بساعة.
– الساعة 18:43: فر الجناة بسرعة جنونية نحو الطريق السيار في اتجاه بوزنيقة، دون أن يتمكن أحد من إيقافهما.
وقال صاحب محل بقالة كان قريبا من مكان الجريمة: سمعت طرطيق بحال القرطاس ديال العيد، حسبتو ألعاب نارية. منين خرجت لقيت الدراري طايحين في الأرض والدم عامر. واحد منهم كان كيقول: عتقوني، عتقوني. ما كاين لا إسعاف لا والو، الناس هما اللي هزوهم في طوموبيل. البوليس جا من بعد 40 دقيقة.
الفصل الثاني: من هم “باطرونات اليوغا”؟
تعبير “باطرونات اليوغا” الذي انتشر على مواقع التواصل بعد الجريمة، لا يعني مدربي اليوغا الرياضية، بل هو لقب يطلقه سكان المنصورية وبوزنيقة على مجموعة من الأشخاص الأثرياء، يملكون فيلات فاخرة ومراكز للاستجمام واليوغا والتدليك والسبا، يستقبلون فيها زبائن أثرياء من الدار البيضاء وأوروبا والخليج.
وحسب تحقيقنا، فإن هذه المراكز، على الأقل بعضها، تحولت في السنوات الأخيرة، حسب شهادات متقاطعة، إلى واجهة لأنشطة أخرى مشبوهة:
1. غسيل الأموال: فيلات بـ 2 مليار سنتيم تبنى في أشهر، ومراكز يوغا تستقبل 3 زبائن في الأسبوع لكن مداخيلها المعلنة بالملايير.
2. ترويج المخدرات الصلبة: الكوكايين والبوفا والإكستازي، خاصة في السهرات الخاصة التي تقام في الفيلات ليلا.
3. الابتزاز والتصفية: علاقات متوترة مع شبان محليين كانوا يعملون كحراس أو وسطاء أو سائقين، ويعرفون أسرارا كثيرة.
وقال شاب من المنصورية، كان يعمل حارسا في إحدى هذه الفيلات، وطلب عدم ذكر اسمه خوفا على حياته: هاد الناس ما كيديروش اليوغا، كيديرو الفلوس. كيجيبو البنات والدراري الصغار يخدمو عندهم، وكيخلصوهم مزيان، ولكن اللي كيعرف شي سر وكيبغي يخرج أو كيهددهم يفضحهم، كيتعرض للتهديد. الشابان اللي ماتو كانو خدامين معاهم قبل، ومن بعد وقع بيناتهم خلاف على الفلوس، على 40 مليون سنتيم كيتسالوها ليهم.
هذه الرواية لم تؤكدها بعد السلطات، لكنها تتقاطع مع رسائل صوتية متداولة على واتساب، توصلت الجريدة بنسخ منها، يسمع فيها أحد الضحيتين قبل أسبوع من مقتله وهو يقول لصديقه: “إلا وقع ليا شي حاجة، عرفو بلي هما اللي داروها، حيت عارفين بزاف عليهم.
الفصل الثالث: ثغرات التحقيق وأسئلة بلا جواب.
طرح التحقيق الميداني 5 أسئلة خطيرة لا تزال بلا جواب:
1. أين كانت كاميرات المراقبة؟ شارع الجريمة مجهز بـ 4 كاميرات تابعة للجماعة، لكن 3 منها كانت معطلة يوم الجريمة، والرابعة تم نزع قرصها الصلب. هل هي صدفة أم فعل فاعل؟
2. لماذا تأخر الدرك 40 دقيقة؟ رغم أن مركز الدرك الملكي بالمنصورية يبعد 800 متر فقط عن مكان الجريمة.
3. أين هي السيارة؟ السيارة السوداء التي استعملت في الجريمة وجدت محروقة بالكامل في غابة بوزنيقة صباح اليوم الموالي، دون بصمات. من أحرقها؟
4. من سرب خبر أن الضحيتين كانا من ذوي السوابق؟ مصادر أمنية سربت أن الضحيتين لهما سوابق في المخدرات، في محاولة لتبرير الجريمة، لكن عائلتهما تنفي ذلك وتطالب بتحقيق نزيه.
5. لماذا لم يتم توقيف أي “باطرون”لحد الآن؟ رغم أن عائلتي الضحيتين قدمتا أسماء 3 أشخاص للمحققين، إلا أنه لم يتم استدعاؤهم إلا كشهود، ثم أطلق سراحهم.
الفصل الرابع: عائلتا الضحيتين تصرخان: نريد العدالة.
التقى المراسل بوالدة أحد الضحيتين، وهي تبكي بحرقة:
ولدي كان خدام على راسو، كان كيسوق طاكسي، ما عمرو قتل شي واحد. قتلوه بحال الكلاب في الزنقة. بغينا غير العدالة، بغينا نعرفو شكون قتل ولدي وعلاش. إلا كانو هاد الباطرونات عندهم الفلوس، حنا عندنا الله. ما غاديش نسكتو، غادي نوصلوها للملك.
وطالب محامي العائلتين بفتح تحقيق من طرف الفرقة الوطنية للشرطة القضائية، وليس فقط درك بنسليمان، لأن القضية فيها شبهة نفوذ ومال.
المنصورية تتحول من جنة الاستجمام إلى وكر للتصفيات.
ما وقع في المنصورية ليس جريمة عادية، بل هو مؤشر خطير على تحول بعض المناطق السياحية الراقية إلى أوكار لتصفية الحسابات بين شبكات المال والمخدرات، تحت غطاء اليوغا والسبا والفيلات الفاخرة.
إذا لم تتحرك النيابة العامة ووزارة الداخلية بصرامة، وتفكك هذه الشبكات، فإن المنصورية وبوزنيقة وعين حرودة وحد السوالم ستصبح كلها مسرحا لجرائم الإعدام بالرصاص.
فهل سيتم الكشف عن القتلة الحقيقيين ومحاكمتهم، أم أن الملف سيطوى كملفات أخرى، ويبقى الشابان ضحيتين إضافيتين لسلطة المال والنفوذ؟.